مهر ۱۹

البعد الاخلاقی التربوی

 البعد الأخلاقی والتربوی

  • أ ـ الصدق والصراحه فی التعامل

  • ب ـ الصبر وقوه التحمل

  • ج‍ ـ لا إکراه على المناصره

  • د ـ السعی فی قضاء حوائج الناس ومواساتهم

  • ه‍ ـ الإیثار والتفانی

أ ـ الصدق والصراحه فی التعامل

الصدق هو : من الصفات الکریمه ومن أشرفها ، والتی تؤدی إلى سمو الإنسان ورفعته وتکامل شخصیته ، وأساس ثقه الناس به ، وهو أحد الأرکان التی علیها مدار نظام المجتمع الإنسانی.

ولذا عنى الإسلام بهذه الصفه الکریمه وبالغ فی التحلی بها ، وقد أثنىٰ علىٰ من تخلق بها ، قال تعالىٰ : ( مِنَ المُؤْمِنِینَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَیْهِ ) (١) کما أثنىٰ تعالىٰ علىٰ نبیه إسماعیل به وقال : ( إِنَّهُ کَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَکَانَ رَسُولاً نَّبِیًّا ) (٢).

ومما ورد عن أهل بیت العصمه علیهم‌السلام فی مدح هذه الخصله الشریفه والتحلی بها :

ما روی عن الإمام الصادق علیه‌السلام أنه قال : إن الله لم یبعث نبیاً إلا بصدق الحدیث ، وأداء الأمانه إلى البر والفاجر (٣).

وروی عنه علیه‌السلام یوصی شیعته : کونوا دعاهً للناس بالخیر بغیر ألسنتکم ، لیروا منکم الاجتهاد والصدق والورع (۴).

__________________

(١) سوره الأحزاب : الآیه ٢٣.

(٢) سوره مریم : الآیه ۵۴.

(٣) أصول الکافی للکلینی : ج ٢ ، ص ١٠۴ ، ح ١.

(۴) أصول الکافی للکلینی : ج ٢ ، ص ١٠۵ ، ح ١٠.

———————————————————————————

وکما لا یخفى أن هذه الخصله الشریفه من خصال أهل بیت العصمه علیهم‌السلام ، والتی ظهرت بشکل واضح علىٰ أفعالهم وأقوالهم ، فهمُ الصدیقون حقاً ، کما عناهم القرآن الکریم بذلک فی قوله تعالىٰ : ( یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَکُونُوا مَعَ الصَّادِقِینَ ) (١) فهمُ الصادقونَ الذین أمر القرآنُ الکریم باتباعهم والسیرَ علىٰ منهجهم الشریف.

وقد استأثرت هذه الخصله الشریفه بعنایه بالغه عندَهم علیهم‌السلام مؤکدین علیها ، وملتزمینَ بها فی حیاتهم ، وفی تعاملهم مع سائر الناس ، بعیداً عن المداهنه والخداع والتضلیل ، حتىٰ فی وقت الشدائد ووقوع المکاره ، فقد اتسم طریقُهم بالصِدقِ والصراحه فی جمیع فترات حیاتهم ، وإن أدىٰ ذلک إلى تفرُّق الناس عنهم ، ما داموا على الحق والذی لا یعدلون به إلىٰ غیره.

إذ لیسوا کغیرهم ـ صلوات الله علیهم ـ من أولئک الذین یصلون إلىٰ غایاتهم ، بکل وسیله ما دام ذلک یُعزِّرُ موقفهم والتفاف الناس حولَهم ، ویُحقّق لَهمُ الفوزَ والغلبهَ علىٰ مُناوئیهم ولو بالمُداهنه والخُداع والتضلیل.

إلا أن أهلَ البیت علیهم‌السلام المتمیزین عن غیرهم بما خَصهُم اللهُ تعالىٰ ومنحهمُ به ، لا یتوصلونَ للحق إلا مِنْ طریق الحق ، فهذا أمیر المؤمنین علیه‌السلام لما أشار علیه المُغیره بن شعبه أن یبقیَ معاویه بن أبی سفیان أمیراً على الشام ولا یعزله کیما یستتب له الأمر ، ثم بعد ذلک یعزله.

قال له علیه‌السلام : أتضمن لی عمری یا مغیره فیما بین تولیته إلى خلعه ؟ قال : لا ،

__________________

(١) سوره التوبه : الآیه ١١٩.

———————————————————————————

قال علیه‌السلام لا یسألنی الله عن تولیته على رجلین من المسلمین لیله سوداء أبداً ( وَمَا کُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّینَ عَضُدًا ) (١) الخبر (٢).

ومما حدّث به بعضهم فی فضائله علیه‌السلام قال : ثمّ ترک الخدیعه والمکر والغدر ، إجتمع الناس علیه جمیعاً فقالوا له : أکتب یا أمیر المؤمنین إلى من خالفک بولایته ثمّ اعزله ، فقال : المکر والخدیعه والغدر فی النار (٣).

وکذا إذا لاحظنا موقفه علیه‌السلام یومَ الشورىٰ حینما بُویع بعد وفاه الخلیفه الثانی علىٰ أن یعمل بسیره الشیخین لم یُساومهم ولم یخادعهم ، بل کان صریحاً معهم فی موقفه من ذلک وقال علیه‌السلام : بل علىٰ کتاب الله وسنّه رسوله واجتهاد رأیی ، فعدل عنه إلى الخلیفه الثالث (۴) ولم یکن علیه‌السلام بوسعه أن یسلک طریقاً لا یراه ، بل أوضح لهم المنهج الذی یَسیر علیه ، وإن ذهبت الخلافهُ إلىٰ غیره.

فهو علیه‌السلام یَبنی أساس الحکم على الصدق والحق ، وعدم الالتواء مع الآخرین وإن کان ذلک یُحقق له انتصاراً وغلبهً على الآخرین.

وإلى غیر ذلک من الشواهد الأخرىٰ فی سیرتهم ، والتی أوضحوا فیها منهجَهم الصادق القائم العدل والحق.

ویتضح هذا الأمر أیضاً فی مواقف الحسین علیه‌السلام وفی منهجه الشریف والذی اتسم بالصدق والصراحه ، بعیداً عن تلک الأسالیب التی ینتهجها بعضهم فی ساعه المحنه ،

__________________

(١) سوره الکهف الآیه : ۵١.

(٢) مناقب آل أبی طالب لابن شهرآشوب : ج ٣ ، ص ١٩۵ ، وعنه بحار الأنوار : ج ٣٢ ، ص ٣۴ ، ح ٢٠ ـ ٢٢.

(٣) بحار الأنوار : ج ۴٠ ، ص ١٠۵ ، ح ١١٧.

(۴) شرح نهج البلاغه لابن ابی الحدید : ج ١ ، ص ١٨٨.

———————————————————————————

والصراخه ، بعیداً عن تلک الأسالیب التی ینتهجها بعضهم فی ساعه المحنه ، فیخدعون الآخرین بکل وسیله وحیله من أجل البقاء علىٰ سلامه رؤوسِهم ، ولو کلف ذلک إبادتهم جمیعاً !!.

( فکان ـ صلوات الله علیه ـ فی جمیع فترات حیاته لم یوارب ولم یُخادع ، ولم یَسلک طریقاً فیه أیَ التواء ، وإنما یَسلک الطریق الواضح الذی یتجاوب مع ضمیره الحی ، وابتَعد على المنعطفات التی لا یقرّها دینُه وخُلقُه ، وکان من ألوانِ ذلک السلوک النَیِّر أن الولید حاکم یثربَ دعاه فی غَلس اللیل ، وأحاطهُ علماً بهلاک معاویه ، وطلب منه البیعهَ لیزید مُکتفیاً بها فی جنح الظلام ، فامتنع علیه‌السلام وصارحَه بالواقع قائلاً : یا أمیر إنا أهل بیت النبوه ، ومعدن الرساله ، بنا فتح الله وبنا ختم ، ویزید فاسق فاجر ، شارب الخمر ، قاتلُ النفس المحرمه ، مُعلنٌ بالفسق والفجور ، ومثلی لا یبایع مثله (١) ، وکشفت هذه الکلمات عن مدىٰ صراحته ، وسمُو ذاته ، وقوه العارضه عنده فی سبیل الحق.

ومن ألوان تلک الصراحه التی اعتادها وصارت من ذاتیاته أنه لما خرج إلى العراق وافاه النبأُ المُؤلم وهو فی أثناء الطریق بمقتل سفیره مسلم بن عقیل علیه‌السلام ، وخُذلان أهل الکوفه له ، فقال للذین اتبعوه طلباً للعافیه لا للحق : … فَمَن أحبَّ مِنکُم الانصراف فلینصرفْ ، لَیْسَ عَلیه منّا ذِمامٌ (٢) ، فتفرق عنه ذوو الأطماع ، وبَقىٰ معه الصفوهُ من أهل بیته.

لقد تجَنّب علیه‌السلام فی تلک الساعات الحرجه التی یتطلب فیها إلى الناصر

__________________

(١) مقتل الحسین للخوارزمی : ج ١ ، ص ١٨۴ ، اللهوف : ص ١٠ ، بحار الأنوار : ج ۴۴ ، ص ٣٢۵.

(٢) تاریخ الطبری : ج ۴ ، ص ٣٠٠ ، بحار الأنوار : ج ۴۴ ، ص ٣٧۴.

———————————————————————————

والإغراء والخُداع ، مؤمناً أن ذلک لا یمکن أن تتصف به النفوس العظیمه المؤمنه بربها والمؤمنه بعداله قضیتها ) (١).

ویتضحُ هذا الأمرُ جلیاً فی هذه اللیله التی خَلّدها التاریخ ، وذلک من خلال موقفه علیه‌السلام فی ساعات هذه اللیله الألیمه مع أهل بیته وأصحابه ، وذلک حینما أوقف أصحابه علىٰ الأمر الواقع ولم یخفِ علیهم لیکونوا علىٰ بینه من أمرهم ومستقبلهم ، فوقف قائلاً لهم : إنی غداً أُقتل وکلکُم تُقتلون معی ولا یبقىٰ منکم أحد (٢) حتى القاسم وعبد الله الرضیع (٣).

مؤکداً علیهم أن کلَ من یَبق معه منهم سوف یستشهد بین یدیه ، فهو علیه‌السلام لا یُرید أن یترکَهُم فی غَفله من أمرهم ، ولئلا یتوهم أحدٌ منهم بأنه ربّما یُهادنُ القومَ فیما بَعد ، أو یقبل بخیار آخرَ غیرِ القتال ، ولکنه علیه‌السلام بَیّن لهم أنه یُقتل وهُم أیضاً یُقتلون إذا مَا بقُوا معه ! وبهذا یکون علیه‌السلام قد أوقفهم علىٰ حقیقه الأمر.

وقد أکد هذا الأمر مرهً أخرىٰ فیما قال لهم ، مشفقاً علیهم قائلاً : لهم أنتم جئتم معی لعلمِکم بأنی أذهب إلىٰ جماعه بایعونی قلباً ولساناً ، والآن تجدونَهم قد استحوذَ علیهم الشیطانُ ونسوا الله ، والآن لم یکن لهم مقصدٌ سوىٰ قتلی ، وقتل من یجاهد بین یدی ، وسبی حریمی بعد سلبهم ، وأخاف أن لا تعلموا ذلک ، أو تعلموا ولا تتفرقوا للحیاء منی ، ویحرم المکر والخدعه عندنا أهل البیت (۴).

__________________

(١) حیاه الإمام الحسین (ع) للقرشی : ج ١ ، ص ١١٩ ـ ١٢٠.

(٢) نفس المهموم : ص ٢٣٠.

(٣) مقتل الحسین للمقرم : ص ٢١۵.

(۴) أسرار الشهاده للدربندی : ج ٢ ، ص ٢٢٢ ، الإیقاد : ص ٩٣.

———————————————————————————

فأحاطهم علماً بأنه یُقتل ومن معه أیضاً ، وأن حریمَه تُسبىٰ بعد قتله ، إذ لعل بعضهم یکره هذا ، خصوصاً من جاء بنسائه فیکون علىٰ علم بهذا الأمر. کما أنه علیه‌السلام عَدَّ إخفاءَ هذا الأمر علیهم خُدعهً ومکراً وأن ذلک محرمٌ عندهم لا یجوز بحال من الأحوال ، إذ کانوا علیهم‌السلام أبعد الناس عن مثل هذه الامور التی لا یقرونها لأحدٍ مهما کلف الأمر.

وقد حَذَّروا من هذا الأمر وذموا من یتصف به ، فقد روی عن النبی صلى‌الله‌علیه‌وآله : أنه قال : لیس منّا مَنْ ماکر مسلماً.

وروی عن أمیر المؤمنین علیه‌السلام أنه کان کثیراً ما یتنفس الصُعداء ویقول : واویلاه یمکرون بی ویعلمون أنی بمکرهم عالم وأعرف منهم بوجوه المکر ، ولکنی أعلم أن المکر والخدیعه فی النار ، فأصبرُ علىٰ مکرهم ولا أرتکب مثل ما ارتکبوا (١).

وهذا أیضاً مما تمیز به منهجهم ـ صلوات الله علیهم ـ الذی حوىٰ کل صفات الأخلاق الرفیعه والمُثل العلیا.

ولذا وقف سیدُ الشهداء علیه‌السلام فی هذه اللیله العظیمه مُشفقاً علىٰ أصحابه ، لیطلعهم علىٰ ما خفی علیهم ما داموا قد وطنوا أنفسهم معه علىٰ ذلک الأمر الخطیر ، فهو لا یُرید ناصراً قد منعه الحیاء عن نصرته ، ما لم یکن عن علمه وبقناعته الشخصیه فی ذلک.

وهذا من أعظم الدروس الأخلاقیه والتربویه المستفاده من لیله الطف العظیمه ،

__________________

(١) جامع السعادات للنراقی : ج ١ ، ص ٢٣٩.

———————————————————————————

التی ینبغی الوقوف علیها والاستفاده منها.

وهنا لا ننسىٰ أیضاً ظهور هذا الجانب الأخلاقی العظیم فی سلوک أنصار الحسین علیه‌السلام إذ ظهر الصدقُ علىٰ أقوالهم وأفعالهم ، حینما عاهدوه على الشهاده معه والدفاع عنه ، فکانت نیاتُهم فی ذلک صادقهً لا یشوبها أیُّ تَردّدٍ أو میل ، فکانوا عازمین بالفعل علىٰ نصرته والذب عنه ، وخیر شاهد علىٰ ذلک هو وفاؤهم بما ألزموا به أنفسهم ، وتسابقهم إلى الشهاده بین یدیه ، فلم تنحل عزیمتُهم وهم فی أوج المحنه وشدتها ـ فی ظهر عاشوراء ـ مع شده العطش وحراره الشمس ، وجراحات السنان ، وطعنات الرماح ، إذ أن النفس ساعتها ربما سَخت بالعزم وتناست الوعد ، وتعلقت بحب البقاء ، وحینها یتلاشىٰ ما التُزم به من وعود وعهود.

إلا أنهم ـ رضوان الله علیهم ـ ثبتوا أمام الأعداء بلا تراجع أو تردد وقاتلوا بجداره فائقه منقطعه النظیر ، وَوفَوا بما التزموا به ، فوافقت ظواهُرهم بواطَنهم ، وبهذا وصلوا إلىٰ أعلىٰ مراتب الإخلاص فی صدقهم ، کما أن الوفاءَ بالعهد أفضل أنواع الصدق القولی فکانوا بحق مصداقاً لقوله تعالى : ( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَیْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن یَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِیلاً ) (١).

والجدیرُ بالذکر أن الحسین علیه‌السلام کان یُردّد هذه الآیه الشریفه حین مقتل أصحابه (٢) ـ رضوان الله علیهم ـ ، الأمر الذی یدل علىٰ وفائهم وصدق موقفهم النبیل.

__________________

(١) سوره الأحزاب : الآیه ٢٣.

(٢) تاریخ الطبری : ج ۴ ، ص ٣٣١ ، بحار الأنوار : ج ۴۵ ، ص ٢٠.

———————————————————————————

ب ـ الصبر وقوه التحمل

الصبر : هو حبس النفس عمّا تنازع إلیه من ضد ما ینبغی أن یکون علیه ، وضده الجزع قال :

فَإنْ تَصبِرا فالصَّبْرُ خَیْرٌ مغبَّه

وإِن تجزَعا فالامرُ ماتَریانِ (١)

( ومما یدعو إلىٰ تماسک الشخصیه وتوازنها الصبر علىٰ الأحداث وعدم الانهیار أمام محن الأیام وخطوبها ، وقد أکد الإسلام علىٰ هذه الظاهره بصوره خاصه ، وحث المسلمین على التحلی بها وأن من یتخلق بها فإن الله یَمنحهُ الاجرَ بغیر حساب ، قال تعالىٰ : ( وَلَنَجْزِیَنَّ الَّذِینَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا کَانُوا یَعْمَلُونَ ) (٢) ، وقال تعالى : ( إِنَّمَا یُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَیْرِ حِسَابٍ ) (٣) ، وقال تعالى : ( وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّهً وَحَرِیرًا ) (۴) ، وقال تعالى : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّهً یَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَکَانُوا بِآیَاتِنَا یُوقِنُونَ ) (۵) ، وقال تعالىٰ فی مدحه لنبیه أیوبَ علیه‌السلام : ( إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) (۶).

__________________

(١) مجمع البیان للطبرسی : ج ۴ ، ص ٨۵۵.

(٢) سوره النحل : الآیه ٩۶.

(٣) سوره الزمر : الآیه ١٠.

(۴) سوره الإنسان : الآیه ١٢.

(۵) سوره السجده : الآیه ٢۴.

(۶) سوره ص : الآیه ۴۴.

———————————————————————————

إنَّ الصبر نفحهٌ من نفحات الله ، یَعتصمُ به المؤمن فیتلقى المکارهَ والمصاعب بحزمٍ ثابت ونفسٍ مطمئنه ، ولولاهُ لانهارت نفسُه ، وتحطّمت قواه ، وأصبحَ عاجزاً عن السیر فی رَکب الحیاه ، وقد دعا الإسلامُ إلى الاعتصام به لأنه من أهم الفضائل الخُلقیه ، وقد ذکرهُ القرآنُ الکریم فی سبعین آیه ، ولم یذکر فضیله أخرىٰ بهذا المقدار ، وما سببُ ذلک إلا لعظیم أمره ، ولأنه من مصادر النهوض الإجتماعی ، فالأمه التی لا صَبرَ لها لا یُمکن أن تصمُدَ فی وجهِ الأعاصیر ، مضافاً لذلک أنه یُربی ملکاتِ الخیر فی النفس فما فضیله إلا وهی محتاجهٌ إلیه.

وقد أثر عنهم فی ذلک الشیء الکثیر من الأخبار ، فقد قال الإمام أبو جعفرعلیه‌السلام : الجنه محفوفهٌ بالمکاره والصبر ، فمن صَبَر على المکاره فی الدُنیا دخل الجنه (١) ، وقال الإمام زین العابدین علیه‌السلام : الصبرُ من الإیمان بمنزله الرأس من الجسد ولا إیمان لمن لا صبرَ له (٢).

إن الصبر بلسمٌ للقلوب المکلومه التی أثکلها الخطب وجار علیها الزمانُ ، وهو عزاءٌ للنفوس الحزینه التی هامت بتیار الهواجس والهموم ، وهو تسلیهٌ للمعذبین یجدون فیه الاطمئنان ، وتحت کنفه ینعَمون بالراحه والاستقرار ) (٣).

وفی لیله عاشوراء التی حَفلت بعظیمِ المکاره والمصائب والأرزاء ، والتی لا یُعهد لها مثیل فی تاریخ البشریه ، نرىٰ وقد برزَ الصبرُ فیها ، وصار أحدَ سِماتها ، وصفهً قد تحلىٰ بها أصحابُها ، حتىٰ أصبحَ کلُ واحد منهم کالجبل الأصم لا تهزه

__________________

(١) أصول الکافی للکلینی : ج ٢ ، ص ٨٩ ، ح ٧ ، بحار الأنوار : ج ۶٨ ، ص ٧٢ ، ح ۴.

(٢) أصول الکافی للکلینی : ج ٢ ، ص ٨٩ ، ح ۴ ، بحار الأنوار : ج ۶٨ ، ص ٨١ ، ح ١٧.

(٣) النظام التربوی فی الإسلام : للقرشی ص ٢٨٣.

———————————————————————————

العواصف ومِنْ بینهم سیدُ شباب أهل الجنه ـ صلوات الله علیه ـ الذی کُلما ازداد الموقف شدهً ازداد صبراً وإشراقهً.

یقول الأربلی : شجاعهُ الحسین علیه‌السلام یُضربُ بها المثل ، وَصبرُه فی مأقط الحرب أعجزَ والاواخر الأوائلَ والأواخر(١).

وکما قیل : إن فی بشاشه وَجه الرئیس أثراً کبیراً فی قوُه آمال الأتباع ونشاط أعصابهم ، فکان أصحابه کلما نظروا إلیه علیه‌السلام ازدادوا نَشاطاً وصمُوداً ، هَذا مع ما هو فیه ـ صلوات الله علیه ـ من البلاء العظیم والخطب الجسیم فی لیله لم تمر علیه بأعَظمَ منها ، حیث یرَى الأعداءَ قد اجتمعوا لقتاله وقتال أهل بیته ، وهو یَرىٰ أهلهَ یرقبونَ نزولَ البلاء العظیم مع ما هُم فیه من العطش الشدید ، بلا زادٍ ولا ماء حتىٰ ذَبُلت شِفاهُهُم وغارت عیونُهم ، وبُحّت أصواتهم ، وذعُرتْ أطفالهم ، وارتاعت قلوبهم ، فی وَجَل شدید علىٰ فراق الأحبه وفقد الأعزه ، ومَنْ یرىٰ ذلک کیف لا ینهار ولا یضعُف ولا تقل عزیمته وهو یرىٰ ما یَبعثُ على الالم ویُحطِّم القُوىٰ !!

إلا أن الحسین علیه‌السلام الذی کان یَلحظ ذلک بعینه ، لا تجد أثراً من ذلک فی نفسه بل کان یزدادُ صبراً وعزیمهً ، وتحمل تلک الأعباء الثقیله ، وتسلح بالصبر على الأذىٰ فی سبیل الله تعالىٰ وهو القائل : ومَنْ رَدَّ علیَّ هذا أصبرُ حتى یقضی الله بینی وبین القوم بالحق وهو خیر الحاکمین (٢) فکان علیه‌السلام نعم الصابر المحتسب عند الله تعالىٰ.

وقد جاء فی الزیاره عن الإمام الصادق علیه‌السلام : وصَبرتَ على الأذىٰ فی جنبه

__________________

(١) کشف الغمه للإربلی : ج ٢ ص ٢٠.

(٢) بحار الأنوار : ج ۴۴ ، ص ٣٣٠.

———————————————————————————

محتسباً حتىٰ أتاک الیقین (١).

وناهیک تعجب ملائکه السماء من صبره کما جاء فی الزیاره : وقد عجبت من صبرک ملائکهُ السموات (٢).

وکان یقول علیه‌السلام فی أوقاتِ الشده یوم عاشواء وهو متشحّط بدمه : صَبراً علىٰ قضائک یا رب لا إلهَ سِواکَ ، یا غِیاثَ المستغیثین (٣) ما لی ربٌّ سواک ولا معبود غیرک صبراً علىٰ حکمک (۴) وناهیک عن موقفه المریر وهو یُشاهد مقتلَ رضیعه الصغیر وهو یقول : اللهم صبراً واحتساباً فیک (۵).

وکیف لا یکونُ صابراً محتسباً وهو من الذین عناهم الله تعالىٰ فی قوله : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّهً یَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ) (۶) وقوله : ( وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّهً وَحَرِیرًا ) (٧).

فالحسین علیه‌السلام شخصیهٌ منفردهٌ بجمیع صفات الکمال ، وتجسدت فیه کلُ صور الأخلاق ، وقد أراد علیه‌السلام أن یضفی من کماله علىٰ أصحابه وأهل بیته بوصایاه لهم بالصبر الجمیل ، وتوطین النفس ، واحتمال المکاره ، لیستعینوا بذلک فی تحمُّل الأعباء ومکابده الآلام ، ولیحوزوا علىٰ منازل الصابرین وما أعَد اللهُ لهم.

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٩٨ ، ص ٢٩٣ و ج ٩٨ ، ص ٢۵۶.

(٢) بحار الأنوار : ج ٩٨ ، ص ٢۴٠.

(٣) أسرار الشهاده : ج ٣ ، ص ۶٨.

(۴) مقتل الحسین للمقرم : ص ٢٨٣.

(۵) معالی السبطین : ج ١ ، ص ٣۴٣.

(۶) سوره السجده : الآیه ٢۴.

(٧) سوره الإنسان : الآیه ١٢.

———————————————————————————

فأما أصحابه فقد أوصاهم علیه‌السلام مراراً بالصبر والتسلُّح به فی مواجهه النوائب والمحن ، والصبر علىٰ حدِّ السیف وطعن الأسنَّه وعلىٰ أهوال الحرب.

وکما لا یخفىٰ أن هذا لیس بالأمر السهل إذ أن مواجهه ذلک یحتاج إلى التدرُّع بالصبر والحزم ، وعدم الجزع من أهوال المعرکه والثبات عند القتال ، وعدم الاستسلام أو الانهزام ، فإذا ما تسلح المقاتل بالصبر کان فی قمه المواجهه ، لا یبالی بما یلاقیه وما یتعرَّض إلیه من ألم السنان وجرح الطعان.

ولذا نادى ـ صلوات الله علیه ـ فیمن تبعه من الناس ـ فی بعض المنازل ـ قائلاً لهم : أیها الناسُ فمَنْ کان منکم یصبر على حدِّ السیف وطعن الأسنه فلیقُمْ معنا وإلا فلینصرف عنَّا (١).

فإذا کان المقاتل لا صبر له علىٰ ذلک کیف یثبت فی ساحه القتال حینما یرى أهوال المعرکه إنّ هذا وأمثاله لا یؤمن منه الجزع ، فإما أن ینهزمَ أو یستسلم للأعداء.

وهنا لا ننسى تأکید القرآنُ الکریم فی هذا الجانب إذ حثّ المجاهدین فی سبیل الله تعالى علىٰ التحلَّی بالصبر والثبات فی ساحه القتال قال تعالىٰ : ( یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا ) (٢) ، وقال تعالىٰ : ( إِن یَکُن مِّنکُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ یَغْلِبُوا مِائَتَیْنِ ) (٣) ، وقال تعالىٰ : ( یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِذَا

__________________

(١) ینابیع الموده : ص ٣٣٨ ، کلمات الإمام الحسین : ص ٣۴٨.

(٢) سوره آل عمران : الآیه ٢٠٠.

(٣) سوره الأنفال : الآیه ۶۵.

———————————————————————————

لَقِیتُمْ فِئَهً فَاثْبُتُوا وَاذْکُرُوا اللهَ کَثِیرًا لَّعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَ ) (١).

ومن الواضح أن نجد الحسین علیه‌السلام فی هذه اللیله ـ استعداداً للمواجهه ـ أن یوصی أصحابه بذلک ویرغبهم فی احتمال المکاره قائلاً لهم : فإن کنتُم قد وطأتم أنفسکم علىٰ قد وطّأتُ علیه نفسی ، فاعلمُوا أن الله إنما یَهبُ المنازلَ الشریفهَ لعباده باحتمال المکاره ، وإن الله وإن کان قد خَصَّنی مع مَنْ مضىٰ من أهلی الذین أنا آخِرهُم بَقاءً فی الدُنیا من الکرامات ، بما سَهّل معها علىٰ احتمال الکریهات ، فإنَّ لکم شطرَ ذلک من کرامات الله ، واعلموا أن الدُنیا حُلوها مرٌ ، ومرُّها حُلوٌ ، والانتباه فی الاخره ، والفائزُ من فاز فیها والشقی من یشقىٰ فیها (٢).

الأمر الذی أثَّر فی نفُوسهم وزاد فی تَحمُّلهم ، حتىٰ أوقفهم علىٰ غامض القضاء ، وکَشف عن أبصارهم فرأوا منازلهم من الجنه وما حباهُم الله تعالىٰ من النعیم.

کما أوصاهم علیه‌السلام بهذا أیضاً ونحوه بعد ما صلَّىٰ بهم الغداهً قائلاً لهم : إن الله تعالىٰ أذنَ فی قتلکم وقتلی فی هذا الیوم ، فعلیکم بالصبر والقتال (٣).

وکذلک لما رآهم وقد تناوشتهم السیوف وقف علیه‌السلام قائلاً لهم : صَبراً یا بَنی عُمومتی صبراً یا أهل بیتی ، لا رأیتُم هَواناً بعد هذا الیوم أبداً (۴).

وکذا یوصی غلاماً له وقد قُطعت یده ، فضَمّهُ إلیه قائلاً له : یا بن أخی اصبر

__________________

(١) سوره الأنفال : الآیه ۴۵.

(٢) أسرار الشهاده للدربندی : ج ٢ ، ص ٢٢٣.

(٣) کامل الزیارات لابن قولویه : ص ٧٣ ، بحار الأنوار : ج ۴۵ ، ص ٨۶.

(۴) مقتل الحسین للخوارزمی : ج ٢ ، ص ٢٧ ، بحار الأنوار : ج ۴۵ ، ص ٣۶.

———————————————————————————

علىٰ ما نَزلَ بک واحتسب فی ذلک الخیر (١).

وفی روایه أنه یقول علیه‌السلام بعد ما یُقتل طفله الرضیع ویضع کفیه تحتَ نحره : یا نفس اصبری ، واحتسبی فیما أصابَکِ (٢).

وأما أهل بیته وعیاله فقد أوصاهم ـ صلوات الله علیه ـ غیر مره بالصبر والتقوىٰ وعدم الجزع ، وتحمل المتاعب فی سبیل الله تعالىٰ والتوکل علیه ، والقیام بالمسئولیه علىٰ أحسن حال.

ومن وصایاه لهم : ولا بدّ أن ترونی على الثرىٰ جدیلاً ، ولکن أُوصیکم بالصبر والتقوىٰ ، وذلک أخبر به جدکم ولا خُلف لوعده ، وأسلمُکم علىٰ من لو هتک الستر لم یستره أحد (٣).

ومن وصایاه أیضاً علیه‌السلام لأخته زینب علیها‌السلام وذلک حینما رآها وقد أثّر علیها ألمُ المُصاب وحرارهُ الفراق ، أوصاها قائلاً :

یا أختاه تعزی بعزاء الله وارضی بقضاء الله (۴).

یا أخیه لا یذهبنَّ حلمَک الشیطان …

یا أُخیه اتقّی اللهَ وتعزّی بعزاءِ الله ، واعلمی أن أهل الأرض یَموتون وأن أهل السماء لا یبقون ، وأن کلَ شیء هالکٌ إلا وجْهَ اللهِ الذی خلقَ الأرض بقُدرتهِ ، ویبعث الخلقَ فیعودون وهو فردٌ وحدَه ، أبی خیرٌ منی وأمی خیرٌ منی وأخی خیرٌ منی ولی وَلهُم ولکل مُسلمٍ برسولِ الله أسوهٌ.

__________________

(١) وقعه الطف : ص ٢۵۴ ، الإرشاد للشیخ المفید : ص ٢۴١.

(٢) تظلم الزهراء : ص ٢٠٣ ، معالی السبطین : ج ١ ، ص ۴٢٣.

(٣) أسرار الشهاده : ج ٢ ، ص ٢٢٢.

(۴) مقتل الحسین للخوارزمی : ج ١ ، ص ٢٣٨.

———————————————————————————

قال : فعزّاها بهذا وَنحوهِ ، وقال لها : یا أخیّهُ إنی أقسمُ علیک فأبرِّی قسمی ، لا تشُقی علیَّ جَیباً ولا تخمشی علیَّ وَجهاً وَلا تدعی علیَّ بالویل والثبور إذا أنا هلکت (١).

وفی روایه ثم قال علیه‌السلام : یا اُختاه یا أمَّ کلثوم وأنت یا زینب وأنت یا فاطمه وأنت یا رباب إذا أنا قُتلت فلا تَشققنَّ علیَّ جیباً ، ولا تخمشن علیَّ وجهاً ، ولا تقلن هجراً (٢).

وقد أخذ علیه‌السلام فی وصایاه یؤکد علیهنَّ بالصبر على الاحداث الألیمه ، والتجلد فی المواقف الرهیبه والکوارث الألیمه ، وأن یتمالکن أنفسَهُنّ حین یَرینهُ صریعاً مُجدلاً.

وخصوصاً أخته زینب علیها‌السلام والتی حَمّلها مسؤلیهَ حفظ الحرم والأطفال ، وقد أکّدَ علیها کثیراً بالصبر والتجلد لکی تقوم بالمسؤلیه ، ولتؤدی وظیفتها علىٰ أحسن حال فی حفظ ورعایه العیال والأطفال ، الذین لیس لهم مُحامٍ ومدافع سواها ، ولکی تُشاطرَهُ فی مهمته ، ولئلا یَغلب علیها الأسىٰ فی إبلاغ حجته ، وإتمام دعوته ، خصوصاً فی المواقف الحرجه الألیمه فی الکوفه والشام.

وَکلُّ هذا التأکید علیها فی وصایاه لها ( إعلامٌ لها بتحمُّل المسؤولیه وأن تکون أمام الکوارث المقبله کالجبل الأشم ، والصخره الصماء ، تتکسر علیها کل عوامل الذله والانکسار ، ولا تستولی علیها دوافع الضعف ، وعوامل الانهیار ، وأن تتأسّىٰ بجدها رسول الله صلى‌الله‌علیه‌وآله ، وتتعزىٰ بعزاء الله.

إنه عبءٌ ثقیل فی تحمُّل مسؤولیه الکفاح المتواصل لربط الثوره بأهدافها

__________________

(١) تاریخ الطبری : ج ۴ ، ص ٣١٩ ، الإرشاد للمفید : ص ٢٣٢.

(٢) اللهوف : ص ٣۶.

———————————————————————————

المتوقعه وعواملها المنتظره ، وقد تجسّدت لها الحوادث بعد أن أطلعها الحسین علىٰ کثیر من مهماتِها ، وَفتحَ أمامَها نوافذَ مهمه مَهّدَ لها طُرقَ التسلیه عمّا تلاقیه فیها من بلاءٍ وما تصطدم بها من نکبات.

ولقد کانت علىٰ موعد مع هذا الحدث العظیم ، حدثتها اُمها فاطمه الزهراء علیها‌السلام وسمعت من أبیها علی علیه‌السلام ، ما یدل علىٰ وقوع ذلک ، وکما لمّح لها أخوها الحسن علیه‌السلام بآثار الفاجعه ، وصرّح لها الحسین علیه‌السلام بدنو ما کانت تخشاه ، وحلول ما کانت تتوقعه.

ولقد تحملت مسؤولیه إتمام الرساله التی قام بها الحسین علیه‌السلام فأوضحت للعالم عواملَ الثوره ، فنبّهت الغافل ، وفضحت تلک الدعایات المُضلِله ، لقد مَثّلت زینب علیها‌السلام دورَ البطوله فی میدان الجهاد ، وثبتت أمام المحن والمکاره ، ثبوتَ الجبلِ أمامَ العواصف ، واحتسبت ما أصابها من بلاءٍ فی جنب الله ، طلباً لمرضاته وجهاداً فی سبیله ، وإعلاءً لکلمته ، لقد أدّت واجبها فی ساعه المحنه ، فهی تسلی الثاکل وتُصبر الطفل ، وتُهدّئُ روعَ العائله.

وانظر إلى موقفها کیف وقفت أمام مجتمع الکوفه فحملتهم مسؤولِیهَ هذه الجریمه الکبرىٰ ، ووسمتهُم بالذُلِ وألبستهم العار ، وکیف قابلت یزید الماجن المستتر الطائش ، فأوضحت للملأ الحادَه وکفرَه ، وسلبتهُ مواهب التفکیر ، فوقف أمام قوه الإیمان موقف ذلهٍ وانکسار ، فکان النصرُ حلیفَها ولا زال إلى الأبد ) (١).

وتشاطرت هی والحسینُ بدعوهٍ

حتمَ القضاءُ علیهما أن یُندبا

هذا بمشتبک النصولِ وهذه

فی حیث مُعترک المکاره فی السبا (٢)

__________________

(١) مع الحسین فی نهضته لأسد حیدر : ص ٢٠٢ بتصرف.

(٢) للعلامه المرحوم میرزا محمد علی الأوردبادی نور الله ضریحه.

———————————————————————————

ج ـ لا إکراه علىٰ المناصره

ومما اتّسمت به أخلاق أهل البیت علیهم‌السلام فی تعاملهم مع الآخرین أنهم لا یفرضون أنفسهم علیهم بالغلبه والقوه ، بل یترکون لهم حریه اتخاذ القرار بأنفسهم.

کما نجد هذا واضحاً فی سیره أمیر المؤمنین علیه‌السلام مع أصحابه ومَنْ حوله ، فلم یقسر أحداً علىٰ موالاته ، أو علىٰ صحبته أو بیعته ، فإن هناک من تخلّف عن بیعته ، ولم یجبر أحداً منهم علىٰ ذلک ، ولم یمنعهم عطاءهم.

ناهیک عن موقف الزبیر وطلحه تجاهه ـ وذلک حینما أرادا الانصرافَ عنهُ ، استأذناه فی الذهاب إلى العُمره ، مع علمه علیه‌السلام بما یضمراه له من سوءٍ ، فلم یمنعهما من الانصراف بل أذن لهما ، مع علمه أیضاً أنهما سوف یؤلّبان الناس علیه.

ولما خرجا قال علیه‌السلام لأصحابه : والله ما یریدان العمره وإنما یریدان الغدره (١) فترکهما وشأنهما فکانت مکافأتهما له عداوته وجر الناس إلى حربه.

وغیرهما ممن ترکه وانصرف عنه کالذین انصرفوا عنه إلىٰ معاویه بن أبی سفیان فی جنح اللیل ، وقد کان قادراً علىٰ منعهم وردهم إلا أنه ترک لهم حریه الرأی وتحدید المصیر ، وإن کان علىٰ خلاف ما یرید ویهوىٰ ما لم یستلزم من ذلک محذوراً آخر یقتضی خلاف ذلک.

نعم لا ینافی هذا أنهم علیهم‌السلام یُرشدون أمثال هؤلاء إلىٰ طریق الحق ، کما لا

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٣٢ ، ص ٢۵ ، ح ٨ ، ب ١ ، شرح نهج البلاغه لابن أبی الحدید : ج ١ ، ص ٢٣٢.

———————————————————————————

یدّخرون وسعاً فی إیقاظهم وتوعیتهم وهدایتهم ، إن کان هؤلاء أهلاً لذلک ، وإلاّ خلوا بینهم وبین أنفسهم ، وهذا علىٰ خلاف ما جرت به سیره الکثیر من الذین یرغَموا الآخرین ـ وإن لم یقتنعوا بهم ـ على الانضواء فی صفوفهم وفی حمایتهم ، بالقَسر والغلبه مما یؤدی بهم إلى الانخراط قهراً تحت سیطرتهم والدفاع عنهم خوفاً من بطشهم وجبروتهم ، وإذا ما دافعوا عنهم تعَرضوا حتماً للأذىٰ والبطش ، وإذا ما واجهوا الحرب فلا خیار لهم غیرها ، ولذا غالباً أمثالُ هؤلاء یقاتلون بالجبر والأکراه ولیس عن قناعه من أنفسهم.

وأما إذا جئت تستوحی عظمه الأخلاق وسمو الرفعه والنبل فی موقف الحسین علیه‌السلام مع أصحابه وأتباعه تجده مثالاً فریداً من نوعه فی کیفیه التعامل معهم ، فقد التحق برکبه کثیرٌ من الناس وهو فی مسیره إلىٰ کربلاء إلا أنه کان یطلعهم علىٰ حقیقه الأمر فمن شاء التحق به ومن شاء انصرف عنه غیر مُکرهٍ لأحد منهم علىٰ مناصرته واللحوق به.

کما أکَّد بهذا ونحوه علىٰ أصحاب الإبل حینما مَر علیهم بالتنعیم (١) قائلاً لهم : لا أکرِهُکُم ، مَنْ أحبَّ أنْ یمضی معنا إلى العراق أو فینا کراءَهُ وأحسنّا صحبتَهُ ، ومَنْ أحَبَّ أن یُفارقنا من مکاننا هذا أعطیناهُ من الکراءِ علىٰ قَدْر ما قطع من الأرض (٢).

__________________

(١) التنعیم : موضعٌ بمکه خارج الحرم ، هو أدنى الحلّ إلیها ، على طریق المدینه ، منه یحرم المکیُّون بالعُمْره ، به مساجدُ مبنیه بین سرف ومکه. مراصد الأطلاع : ج ١ ، ص ٢٧٧.

(٢) تاریخ الطبری : ج ۴ ، ص ٢٩٠ ، الإرشاد للمفید : ص ٢١٩ ، اللهوف : ص ٣٠ ، بحار الأنوار : ج ۴۴ ، ص ٣۶٧.

———————————————————————————

وفی لیله عاشوراء بعد ما خَیّمَ اللیلُ وأرخىٰ سترَهُ ، حیثُ إن اللیل ستیر ، والسبیل غیر خطیر ، یقف علیه‌السلام خاطباً فی أصحابه آذنا لهم بالتفرق والأنصراف عنه ، فی وقت یتطلب الناصر والمُعین ، قائلاً لهم : ألا وإنی قد أذنت لکم ، فانطلِقُوا جمیعاً فی حِلٍّ لیسَ علیکُم حرجٌ منی ولا ذِمام ، هذا اللیل قد غشیکم فاتخذوه جملاً ، ولیأخذ کل رجل منکم بید رجلٍ من أهل بیتی ، وتفرقوا فی سوادکم ، ومدائنکم حتىٰ یُفرّج الله فإِن القومَ إنما یطلبونی ، ولو قد أصابونی لهوا عن طلب غیری (١) وفی روایه أخرى قال لهم : وأنتم فی حلٍّ وسعهٍ من بیعتی وعهدی الَّذی عاهدتمونی(٢).

الأمر الذی یدل علىٰ عدم إکراهه علیه‌السلام لأحدٍ منهم علىٰ مناصرته.

وقد أکد هذا الأمر أیضاً للحضرمی حینما سمعَ أن ابنه اُسر فی ثغر الری قال له علیه‌السلام رحمک الله ، أنت فی حل من بیعتی ، فاعمل فی فکاک ابنک (٣) ؟!

هذا ولم یُبدِ علیه‌السلام لهم وحشتَه وانکساره فیما لو تفرقوا عنه ، بل أکد علیهم أن انصرافهم عنه لیلاً أسهل منه نهاراً ، وذلک للاختفاء عن الأنظار بعکس النهار الذی قد لا یأمن فیه الهارب من الطلب.

ولذا قال علیه‌السلام کما فی بعض الروایات : فاللیل ستیر والسبیلُ غیر خطیر ، والوقت لیس بهجیر … (۴).

والحسین علیه‌السلام على الرغم من إبلاغ أصحابه بذلک وترکه الأمر لهم ، إلا أنه أخذ یؤکد علیهم فی ذلک مِراراً ، کما حصل هذا مع نافع بن هلال ، وذلک حینما تبع

__________________

(١) تاریخ الطبری : ج ۴ ، ص ٣١٧ ، الإرشاد للمفید : ص ٢٣١.

(٢) موسوعه کلمات الإمام الحسین : ص ۴٠١.

(٣) أسرار الشهاده : ج ٢ ، ص ٢١٩ ، اللهوف : ص ۴٠ بحار الأنوار : ج ۴ ، ص ٣٩٢.

(۴) الدمعه الساکبه : ج ۴ ، ص ٢٧١.

———————————————————————————

الحسین علیه‌السلام لما خرج فی جوف اللیل یتفقد التلاع والعقبات ، فلما رآهُ قال له علیه‌السلام : ألا تسلک بین هذین الجبلین فی جوف اللیل وتنجو بنفسک … (١).

الأمر الذی یدل علىٰ تأکیده لهم وعدم خصه أحداً بالبقاء معه ، بل خاطبهم جمیعاً بما فیهم الصغیر والکبیر والعبد والحر حتىٰ نساءهم.

وقد وجدناه علیه‌السلام یومَ العاشر عند اشتداد الأمر ، وهو یطلق العنان لواحد منهم ، وقد أحلّه من بیعته وهو : الضحاک المشرقی الذی تعهد للحسین علیه‌السلام بالدفاع عنه ما رأىٰ معه مقاتلاً ، ولما بقی علیه‌السلام وحده ، قال للإمام : یا بن رسول الله قد علمت أنی ما کان بینی وبینک ، قلتُ لک أقاتل عنک ما رأیتُ مقاتلاً فإذا لم أر مقاتلاً فأنا فی حلّ من الانصراف ؟ فقلتَ لی نعم.

فقال له علیه‌السلام : صدقت وکیف لک بالنجاء إن قدرت علىٰ ذلک فأنت فی حلٍّ.

فأخرج فرسه من الفسطاط ورکبه وهرب ونجا بنفسه (٢).

وهذا الموقف النبیل فی تعامل الحسین علیه‌السلام مع أصحابه لا تجده فی سائر المعسکرات الأخرىٰ والتی قد یُتناسىٰ فیها العهود والمواثیق.

فلم یجبر الحسین علیه‌السلام أحداً من أصحابه علىٰ نصرته والدفاع عنه ، بل ترک الأمر لهم وباختیارهم ، وهذا فی الواقع ما زاد فی عزیمتهم وجعلهم یقاتلون بمحض إرادتهم عن عزیمه صادقه.

وکم هو فرق بین أن یقاتل المقاتل فی المعرکه عن رغبه وشوقٍ وبین أن یقاتل مُکرَهاً علىٰ ذلک ، أو من أجل المطامع الدنیویه التی هی منتهى الزوال والاضمحلال.

__________________

(١) معالی السبطین : ج ١ ، ص ٣۴۴ ، الدمعه الساکبه : ج ۴ ، ص ٢٧٣.

(٢) تاریخ الطبری : ج ۴ ، ص ٣٣٩.

———————————————————————————

د ـ السعی فی قضاء حوائج الناس ومواساتهم

وهو : من أفضل الطاعات والقربات عند الله تعالىٰ ، وعنصر من عناصر المحبه والإخاء ، ومما یزید فی ترابط المجتمع ووحدتهم وقد ندب الإسلام وحث علیه ومن ذلک :

ما روی عن النبی صلى‌الله‌علیه‌وآله أنه قال : من قَضى لأخیه المُؤمن حاجهً ، کان کمن عبدَ اللهَ دَهراً (١).

وروی عن الإمام الصادق علیه‌السلام أنه قال : ومَنْ قضى لأخیه المؤمن حاجهً ، قضى اللهُ ( عزوجل ) له یومَ القیامه مائه ألف حاجه من ذلک ، أوّلُها الجنه .. (٢).

وَقد عَدّ الشرعُ الحنیف التهاونَ فی قضاءِ حوائج المؤمنین خصوصاً مع القدره علیها ، من رذائل الصفات ، ودلیلاً على ضـعف الإیمان ، وباعثاً على سلب التوفیق ، ومما ورد فی ذلک :

ما روی عن الإمام الصادق علیه‌السلام أیّما رجل من شیعتنا أتىٰ رجلاً من إخوانه ، فاستعانَ به فی حاجته فلم یعنْهُ ، وهو یقدر إلاّ ابتلاه اللهُ تعالىٰ بأن یَقضی حوائج عدّهٍ من أعدائنا ، یُعذّبهُ اللهُ علیها یومَ القیامه (٣).

وروی أیضاً عنه علیه‌السلام : أیّما مؤمن منع مؤمناً شیئاً مما یحتاج إلیه ، وهو یقدر علیه

__________________

(١) أمالی الطوسی : ص ۴٨١ ، بحار الأنوار : ج ٧١ ، ص ٣٠٢ ، ح ۴٠.

(٢) أصول الکافی للکلینی : ج ٢ ، ص ١٩٢ ، ح ١ ، بحار الأنوار : ج ٧١ ، ص ٣٢٢ ، ح ٩٠.

(٣) أصول الکافی للکلینی : ج ٢ ، ص ٣۶۶ ، بحار الأنوار : ج ٧۵ ، ص ١٨١.

———————————————————————————

علیه من عنده أو من عند غیره ، أقامَهُ اللهُ عزوجل یوم القیامه مُسودّاً وجهه ، مزرّقهً عیناهُ ، مغلولهً یداهُ إلىٰ عُنقه ، فیقال : هذا الخائن الذی خان الله ورسوله ، ثم یؤمرُ به إلى النار (١).

وفی لیله عاشوراء والتی تُمثل الظروف العصیبه تکتنف فی طیاتها ألواناً من الأخلاق الفاضله ، والتی تمثل خُلق الإسلام الحنیف ، فهذا سیدُ شباب أهل الجنه ـ صلوات الله علیه ـ یضرب لنا مثالاً صادقاً فی مواساه مَنْ معهُ ، وقضاءِ حوائجهم ، فتراه مَهموماً من أجل غُلام مُسلم قد أسر بثغر الری ، وقد وجد أباه مهموماً من أجله ، فیقول له علیه‌السلام : رحمک الله أنت فی حِلٍّ من بیعتی ، فاعمل فی فکاک ابنک ، وقد أمر له بخمسه أثواب قیمتها ألف دینار ، لیستعین بها فی فداءِ ابنه (٢).

هذا وقد ترىٰ کأنَّ الحاله التی یعیشُها علیه‌السلام حالهً طبیعیهً فی تلک اللیله حتى یطلب من أبی الغلام الأسیر أن یسعىٰ لفکاک ولده من الأسر ویترک ما هو علیه ، بل ویجعله فی حلٍ من بیعته !!

إنه بحق موقفٌ أخلاقی واجتماعی ، فریدٌ من نوعه ، ولیس له أهلٌ غیر من تَربّىٰ فی حجر الرساله وارتضع لبانَ الإباء صبیاً ، وتخلق بأخلاق الأنبیاء ، وتحلّىٰ بحُلیه الأوصیاء ، فهذه من أخلاقه الکریمه والتی أفرزت لیلهُ عاشوراء جانباً یسیراً منها !

ومن تلک المواقف أیضاً والتی تَدلُّ علىٰ مَدىٰ حرصِه علیه‌السلام فی قضاء حوائج الناس وحفظ حقوقهم ، وإرجاعها إلیهم مهما کَلَّفَ الأمر ، وذلک حینما أمر مُنادیاً

__________________

(١) أصول الکافی للکلینی : ج ٢ ، ص ٣۶٧ ، ح ١ ، بحار الأنوار : ج ٧١ ، ص ٢٠١ ، ح ٨٣.

(٢) اللهوف : ص ۴٠ ، بحار الأنوار : ج ۴۴ ، ص ٣٩٢.

———————————————————————————

فی أصحابه ، لا یُقتل معنا رجل وعلیه دین ، فقام إلیه رجل من أصحابه فقال له : إنّ علی دیناً وقد ضمنته زوجتی فقال علیه‌السلام : وما ضمان امرأه (١) ؟

وروی عن موسىٰ بن عمیر عن أبیه قال : أمرنی الحسین بن علی علیهما‌السلام قال : نادِ أن لا یُقتلَ مَعی رَجُلٌ علیه دَینٌ ، ونادِ بها فی الموالی ، فإنِّی سمعتُ رسول الله صلى‌الله‌علیه‌وآله یَقول : مَنْ مَات وعلیه دینٌ اُخذ من حسناته یوم القیامه (٢).

لقد أراد الإمام علیه‌السلام أن یکونَ المستشْهدُ بین یدیه مُتحرّجاً فی دینه خالیَ الذمه من حقوق الناس وأموالهم ، ولا یرید أن یکون سبباً فی ضیاع أیِّ حقٍ من حقوق الآخرین.

وهذا غایه سُمو الأخلاق والرفعهَ والنُبل ، ونموذج مِثالی من الدروس الأخلاقیه العظیمه لکل الأجیال فی کل زمان.

__________________

(١) المعجم الکبیر للطبرانی : ج ١ ، ص ١۴١ ، إحقاق الحق : ج ١٩ ، ص ۴٢٩ ، حیاه الإمام الحسین للقرشی : ج ٣ ، ص ١٧١.

(٢) إحقاق الحق : ج ١٩ ، ص ۴٢٩ ، موسوعه کلمات الإمام الحسین : ص ۴١٧.

———————————————————————————

ه‍ ـ الإیثار والتفانی

الإیثار ، وهو : من الصفات الکریمه التی تؤدی إلىٰ سمُوّ الإنسان ، وتکامل شخصیته ونکرانه لذاته وتفانیه فی سبیل الحق والخیر ، وقد عنی به الإسلام عنایهً بالغه ، وأثنىٰ علىٰ مَنْ یتخلق به ، فقد مدح القرآن الکریم جماعهً من نُبلاءِ المسلِمین وأفداذِهم ، لأنهم آثروا إخوانَهم على أنفُسهم ، قال تعالىٰ : ( وَیُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ کَانَ بِهِمْ خَصَاصَهٌ وَمَن یُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِکَ هُمُ المُفْلِحُونَ ) (١) (٢).

ولا تجد أجلىٰ مصداقاً للآیه الشریفه سوىٰ مَنْ نزلت فیهم وأثنت علیهم ، وهم أهل بیت العصمه ـ صلوات الله وسلامه علیهم ـ الذین أثروا غیرهم علىٰ أنفسهم ، وناهیک عن صور الإیثار التی عرضها القرآنُ الکریم عنهم کما فی سوره ـ هل أتىٰ ـ وغیرها ، کلیله مبیت أمیر المؤمنین علیه‌السلام علىٰ فراش رسول الله صلى‌الله‌علیه‌وآله لیلهَ الغار مؤثرَهُ علىٰ نفسه ، حتىٰ تعجبت من إیثاره ملائکهُ السماءِ ، وباهى الله به ملائکتَهُ.

فکانت هذه الصفه من صفاتهم البارزه ، والتی ظهرت فی سیرتهم مع الآخرین ، وقد حفلتْ سیرتُهم بألوان من صور الإیثار کما لا یخفىٰ ذلک علىٰ من یراجع سیرتهم وحیاتهم الخالده.

وکان من الطبیعی أن یتخلق بهذه الخصله کلُّ من یعاشرُهم ، ویقتفی أثرهم ،

__________________

(١) سوره الحشر : الآیه ٩.

(٢) راجع : النظام التربوی فی الإسلام للقرشی : ص ٢٩٩.

———————————————————————————

ویستقی من أخلاقهم ، مثلُ حواریهم وأصحابهم المُخلصین ، والذین تخلقوا بأخلاقهم ، وتحلّوا بصفاتهم وحذوا حذوهم.

وفی طلیعه هؤلاءِ الذین مَجّدهم التاریخ وحفظ ذکرهم ، أصحاب الحسین علیه‌السلام والذین مثلوا أروع صُورِ الإیثار التی خلدها التاریخ وأثنىٰ علیها.

ومن تلک الصور الخالده ، وقوفُهم لیلهَ عاشوراء مع الحسین علیه‌السلام وقد عاهدوهُ على التضحیه والشهاده بین یدیه ، ووقف کلٌّ منهم یُعاهدُ الآخر علىٰ أن یؤثرَه علىٰ نفسه ، وکلٌ منهم یُرید أن یَسبق الآخر إلىٰ ساحه القتال !!

ولذا لم یعرف التاریخُ أصحاباً أفضل منهم ، وذلک بما حازوا علیه من صفات شریفه ، وخصال حمیده ، وملکات نفسیه ، أهلتهم أن یکونوا أفضل الأصحاب وخیرهم ، ومن ذلک هو تسابقُهم إلى الشهاده ، بإخلاصٍ وتفانٍ فی سبیل الحق ، غیر مکترثین بالحیاه ساخرین من الموت ، متعطشین إلى الشهاده.

قال أحد الأعلام : السبقُ إلى النفع غریزهٌ فی الأحیاءِ لا یحیدون عنها ولا یُلامونَ علیها ، وقد یؤولُ إلى النزاعِ بین الأشخاص والأنواع ، ولکنَّ التسابق إلى الموت لا یُرىٰ فی العُقلاءِ إلاَّ لغایات شریفه تَبلغُ فی مُعتقدِهم من الاهتمام مبلغاً قصیاً أسمىٰ من الحیاه الحاضره ، کما إذا اعتقدَ الإنسان فی تَسابُقه إلى الموت نیلَ سعاداتٍ ولذاتٍ هی أرقىٰ وأبقىٰ من جمیع ماله فی الحیاه الحاضره.

ولهذا نظائرُ فی تواریخِ الغُزاه والمجاهدین ، ففی صحابه النبی صلى‌الله‌علیه‌وآله ( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَیْهِ ) (١) وتسابقوا إلى القتال بین یدیه ، مُعتقدین أن لیس

__________________

(١) سوره الأحزاب : الآیه ٢٣.

———————————————————————————

بینهم وبین جنان الخلد والفردوس الأعلىٰ سوىٰ سُویعاتٍ أو تُمیراتٍ یأکلونها أو حملاتٍ یَحملونها ، وهذا من أشرف السباق ، وموتُه أهنأ موتٍ ، وشعارهُ أقوىٰ دلیلٍ على الفضیله والإیمان ، ولم یَعهد التأریخُ لجماعهٍ بِداراً نحوَ الموتِ وسباقاً إلى الجنه والأسنهً مثل ما عهِدناهُ فی صَحبِ الحسین علیه‌السلام.

وقد عَجم الحسینُ علیه‌السلام عودَهم واختبرَ حُدودَهُم ، وکَسب منهمُ الثقهَ البلیغه ، وأسفرت امتحاناتُه کلُّها عن فوزه بصحَبٍ أوفیاء وأصفیاء وإخوانِ صدقٍ عند اللقاء ، قَلَّ ما فازَ أو یَفوزُ بأمثالهم ناهض ! فلا نجد أدنىٰ مبالغهٍ فی وصفه لهم عندما قال : أما بعد ، فإنی لا أعلمُ أصحاباً خَیراً مِن أصحابی ، ولا أهلَ بیتٍ أبرَّ وأوفى من أهلِ بیتی (١).

وکان الفضلُ الأکبرُ فی هذا الانتقاء یَعودُ إلىٰ حُسن انتخاب الحسین علیه‌السلام وقیامهِ بکلِّ وجائب الزعامه والإمامه ، وقیامُ الرئیسِ بالواجب یَقود أتباعَه إلىٰ أداءِ الواجب ، واعتصامُ الزعیم بِمبدئِه القویم یسوقُ مَنْ معهُ إلى التمسُّک بالمبدأ والمسلک والغایه ، فکان سُرادق الحسین علیه‌السلام بما فیه من صَحبٍ وآلٍ ونساء وأطفالٍ کالماءِ الواحد لا یفترق بعضُه عن بعض ، فکان کلٌّ منهم مِرآهَ سیدهِ الحسین علیه‌السلام بحاله وفعاله وأقواله ، وکانوا یفتدونَه بأنفُسهم کما کان یتمنى القتلَ لنفسه قبلَهم (٢).

جادوا بأنفسهم فی حُبِ سیدهم

والجودُ بالنفس أقصى غایهُ الجودِ

ومن صور الاقتداء والإیثار فی هذه اللیله العظیمه هو حینما هبَّت الصفوهُ الطیبهُ من أنصاره ، وأهل بیته علیهم‌السلام بإیمانهم العمیق بالمبدأ السامی للدفاع عن حریم

__________________

(١) تاریخ الطبری : ج ۴ ، ص ٣١٧ ، اللهوف : ص ٣٩.

(٢) نهضه الحسین للشهرستانی : ص ١١٣.

———————————————————————————

الله ورسوله صلى‌الله‌علیه‌وآله ، یتعاهدون على الشهاده والتضحیه بین یدی سید شباب أهل الجنه علیه‌السلام ویتنازعون فیما بینهم أیُّهم ینزل ساحهَ الحرب قبل الآخر.

فهذا العباس بن أمیر المؤمنین علیهما‌السلام یَقفُ خاطباً فی إخوته وبنی عمومته ، مؤکداً علیهم ومُحفزاً لهم على القتال ، وأنهم أولُ من یَبرزُ إلى ساحه القتال ، وأنَّ الحِملَ الثقیل لا یقومُ به إلا أهلُه … ؟!

فیجیبُه بنو هاشم وقد سَلوا سیوفَهم فی وجهه : نحنُ على ما أنت علیه !!

وأما الأنصارُ فقد وقف حبیب بن مظاهر الأسدی وهم حوله کالحلقه ، قائلاً لهم ومؤکداً علیهم : فإذا صار الصباحُ فأولُ من یَبرزُ إلى القتالِ أنتم ، نَحنُ نقدمهم للقتال ولا نرىٰ هَاشمیاً مُضرجاً بدمه وفینا عرقٌ یضرب لئلا یقول الناس : قدَّموا ساداتهم للقتال وبخلوا علیهم بأنفسهم ؟!

فهزُّوا سیوفَهمُ ، وقالوا : نحنُ علىٰ ما أنتَ علیه !!

ولما رأت زینب هذین الموقفین من الأنصار وبنی هاشم تعجّبت من إیثارهم وصدق ثباتهم وشده عزمهم ، فسکن قلبُها واطمأنّت نفسها ، فأخبرت الحسین علیه‌السلام بذلک متعجّبهً مما رأتُه !!

فقال لها علیه‌السلام : یا اُختاه اعلمی أن هؤلاءِ أصحابی من عالم الذرّ وبهم وعدنی جدی رسول الله صلى‌الله‌علیه‌وآله (١).

وأما التفانی فهی صفحه أخرىٰ منقطعه النظیر نقرؤها عند أنصار الحسین علیه‌السلام فی ولائهم وإخلاصهم ، وقد ضربوا فی ذلک أروع الأمثله فی صلابه عزمهم

__________________

(١) معالی السبطین للحائری : ج ١ ، ص ٣۴٠.

———————————————————————————

وتصمیمهم على الدفاع عنه وعن أهل بیته ، ولم یکترثوا بتلک القوى الهائله ، ولم یرتاعوا من القتل بل سخروا من الحیاه واستهانوا بالموت ، واندفعوا نحو الحسین علیه‌السلام یعاهدونه على التضحیه والفداء بالنفس ، وبکل ما یمکن الدفاع به لنصرته حتىٰ آخر رمق فی حیاتهم ، وهذا الموقف البطولی الباسل تجده واضحاً فی مواقفهم لیله العاشر ، وتشهد على ذلک کلماتهم التی تفیض بالفداء والتفانی فی سبیله وذلک لمَّا أذن لهم بالانصراف عنه !!

وإلیک بعضاً من تلک الکلمات التی یحار فیها العقل ویقف عندها بإعجاب وإکبار ، فمن کلماتهم ما یلی :

١) کلمه أهل بیته والتی یقولون فیها : لِم نفعل لنبقىٰ بعدَک لا أرانا الله ذلک أبداً ؟!

٢) کلمه بنی عقیل والتی یقولون فیها : لا والله لا نفعل تفدیک أنفُسُنا وأموالُنا وأهلونا ، ونقاتل معک حتىٰ نرد موردک فقبّح الله العیش بعدک ؟!

٣) کلمه مسلم بن عوسجه والتی یقول فیها : أما والله لا أفارقک حتىٰ أکسر فی صدورهم رمحی وأضربُهم بسیفی ما ثبت قائمُه فی یدی ، ولا اُفارقک ولو لم یکن معی سلاح أقاتلهم به لقذفتُهم بالحجاره دونک حتىٰ أموت معک !

۴) کلمه سعد بن عبد الله الحنفی والتی یقول فیها : والله لو علمتُ أنی اُقتلُ ثم أحیا ثم اُحرقُ حیَّاً ثم اُذرُّ یُفعلُ ذلک بی سبعین مرهً ما فارقتُک حتى ألقىٰ حِمامی دونک ، فکیف لا أفعل ذلک وإنما هی قتلهٌ واحدهٌ ثم هیَ الکرامه لا انقضاء لها أبداً !!

۵) کلمه زهیر بن القین والتی یقول فیها : والله لوددت أنی قُتلتُ ثم نُشرت

———————————————————————————

ثم قُتلتُ حتىٰ أُقتل کذا ألف قتلهٍ وأن الله یدفعُ بذلک القتل عن نفسک وعن أنفُس هؤلاء الفتیه من أهل بیتک !

۶) کلمه جماعه من أصحابه والتی یقولون فیها : والله لا نُفارقُک ، ولکن أنفُسَنا لک الفداء تقیک نحورنا وجباهنا وأیدینا فإذا نحن قُتلنا کُنا وفینا وقضینا ما علینا (١).

٧) کلمه بشر الحضرمی والتی یقول فیها : أکلتنی السباعُ حیّاً إن فارقتُک (٢).

٨) کلمه نافع بن هلال والتی یقول فیها : ثکلتنی أمی ، إن سیفی بألفٍ وفرسی مثلهُ ، فو الله الذی مَنَّ بِکَ علیَّ لا فارقتُکَ حتىٰ یَکلا من فری وجری (٣).

٩) کلمه القاسم بن الحسن علیهما‌السلام لمَّا قال له الحسین علیه‌السلام یا بنی کیف الموت عندک ؟ قال : یا عم فیک أحلىٰ من العسل (۴).

فهذه بعضٌ من کلماتهم والتی تفیض بالتفانی والإخلاص فهذا الحسین علیه‌السلام ینطق بالحق فی ما یقوله عنهم حین قال لأخته زینب علیه‌السلام : والله لقد بلوتُهم فما وجدتُ فیهم إلا الأشوس الأقعس یستأنسون بالمنیه دونی استیناس الطفل إلىٰ محالب أمه (۵).

__________________

(١) تاریخ الطبری : ج ۴ ، ص ٣١٨ ، الإرشاد للشیخ المفید : ص ٢٣١.

(١) اللهوف : ص ۴٠ ، بحار الأنوار : ج ۴۴ ، ص ٣٩٢.

(٢) الدمعه الساکبه : ج ۴ ، ص ٢٧٣.

(٣) معالی السبطین : ج ١ ، ص ٣۴٣.

(۴) تقدم تخریجه.

 

5+

کاربرانی که این مطلب را پسندیده اند:

  • avatar
  • avatar
  • avatar

دیدگاه بگذارید

اولین نفری باشید که دیدگاه میگذارد

Notify of
avatar
wpDiscuz